| Biography |
تَذكارُ القِدِّيسِ يَعْقوبَ أُسْقُفِ نَصِيبِين وُلِدَ هَذا القِدِّيسُ في مَدِينَةِ نَصِيبِينَ ما بَيْنَ النَهْرَين. قالَ كاتِبُ سِيرَتِهِ العَلَّامَةُ المُؤرِّخُ تِيُودُورِيطُسُ أُسْقُفُ قُورُش: "إنَّهُ مُنْذُ طُفُولَتِه، تَرَبَّى عَلَى التَقْوَى ومَحَبَّةِ الفُقَراء، وانْكَبَّ عَلَى دَرْسِ العُلُومِ وَقَدْ نَبَغَ فِيها". ثُمَّ اتَّخَذَ طَريقَةَ الزُهَّادِ والمُتَوَحِّدِينَ مُتَفَرِّغًا لِلصَومِ ولِلصَلاة، مُنْصَرِفًا بِالكُلِّيَّةِ إِلَى التَأَمُّلِ في الإلَهِيَّاتِ والتَسبِيح، لا يَغْتَذي إلَّا بِمَا تُنْبِتُهُ الأرضُ مِنْ ذاتِهَا. كانَ يَستَتِرُ بِثَوبٍ مِنْ شَعْرِ الماعِز، مُعرِّضًا نَفْسَهُ لِلأَمطارِ والثَلْجِ والجَلِيد، وكَذَلِكَ لِأَشِعَّةِ الشَمْسِ المُحرِقَة. مَنَّ عَلَيهِ الرَبُّ بِمَوهِبَةِ صُنْعِ العَجائِبِ فَاشْتَهَرَتْ قَداسَتُهُ وذاعَتْ فَضائِلُهُ وآياتُهُ الباهِرَة. لَدَى وَفاةِ أُسْقُفِ نَصِيبِين، رَغِبَ بِهِ إكليرُوسُ نَصِيبِينَ وشَعبُها أُسْقُفًا، فَقاوَمَهُمْ ثُمَّ رَضَخَ لِمَشيئةِ اللهِ فِيهِم، وكانَ ذَلِكَ قُرابَةَ العام 308. صُورَةُ يَعْقُوبَ أُسْقُفًا كانَتْ صُورَةَ الأبِ الحقيقيِّ لِلشَعْب، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الكَنيسةَ الكُبْرَى في نَصِيبِين، واستَمَرَّ في أُسْقُفِيَّتِهِ عَلَى ما كانَ عَلَيهِ وَهُوَ راهِبٌ مُتَقَشِّف. مائِدَتُهُ رُهبانِيَّةٌ بَسيطَةٌ وثِيابُهُ فَقْرِيَّة، جَعَلَ هَمَّهُ في تَعْزِيَةِ الحزانَى وزِيارَةِ المرْضَى والعِنايَةِ بِالفُقَراءِ والأرامِلِ والأَيتام. وقَدْ شَيَّدَ في نَصِيبِين كَنيسَةً فَخْمَة، لَمْ يَزَلْ ضَريحُهُ فِيها حَتَّى اليَوم. هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسَّسَ مَدرَسَةَ نَصِيبِينَ الشَهيرة، واشتركَ في المَجْمَعِ المَسْكُونِيِّ الأَوَّلِ في نِيقْيَةَ عامَ 325، وكانَ مَعَهُ القِدِّيسُ أَفْرامُ السُريانِيُّ شَمَّاسُه؛ وكانَ مِنْ أَلْمَعِ آباءِ هَذا المَجْمَعِ في الدِفاعِ عَنِ المُعْتَقَدِ الكاثوليكيّ. وفي سَنَةِ 338 حاصَرَ شابورُ الثاني (310-379) مَلِكُ الفُرْسِ مَدِينَةَ نَصِيبِينَ بِجُيُوشٍ جَرَّارَة، وحَوَّلَ إليها نَهْرًا قَريبًا مِنْها، فَتَحَ في أسوارِها ثَغْرَة، فَأَمَّلَ أَنْ يَدخُلَهَا صَباحًا ويُعْمِلَ فِيهَا السَّيْفَ والنار. فَأَخَذَ القِدِّيسُ يَعْقُوبُ يَبْكِي ويَتَضَرَّعُ إِلَى اللهِ لِيَحْفَظَ شَعْبَه. وفي الغَد، رَأَى شابورُ أَنَّ الأَسْوارَ قائِمةٌ سالمةٌ عَلَى ما كانَتْ عَلَيهِ في الأَمْس، وقاتَلَهُ الرَبُّ وجُيُوشَهُ بِجُيُوشِ الذُبابِ كَمَا ضَرَبَ مِنْ قَبْلُ فِرْعَونَ في مِصْر، حَتَّى يَئِسَ وعادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى. وفي تِلْكَ السَنَةِ عَينِهَا، أي 338، رَقَدَ القِدِّيسُ يَعْقُوبُ في الرَبِّ بَعْدَ جِهادٍ مَجيدٍ خَلَّدَ ذِكْرَهُ مَدَى الأجيال. ولَهُ تَآليفُ قَيِّمَةٌ ذُكِرَتْ في مَجموعَةِ السِمْعَانيّ. صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين. |