| Biography |
َذكارُ القِدِّيسِ يُوحَنَّا الكُوخِيّ وُلِدَ يُوحَنَّا الكُوخِيُّ في مَدِينَةِ القُسْطَنْطينِيَّة، في أوائِلِ القَرْنِ الخامِس، وكانَ والِدُهُ مِنْ قادَةِ الجَيْش، وَلَمْ يَكُنْ والِداهُ لِيَمْنَعَا عَلَيهِ أَيَّ طَلَب، فَطَلَبَ مِنْهُمَا يَومًا أَنْ يَبتاعَا لَهُ إِنْجيلًا، فَفَعَلا، وابتاعَا لَهُ إِنْجيلًا مُزَخْرَفًا، يَتَلَأْلَأُ غِلافُهُ بِالحِجارَةِ الكَريمة، فَجَعَلَهُ يُوحَنَّا سَميرَهُ الوَحِيد. وكانَ، بِالقُرْبِ مِنْ بَيتِه، دَيْرٌ لِلرُهبانِ الَّذِينَ يَتَنَاوَبُونَ لَيْلَ نَهَارَ لِتَسبِيحِ اللهِ وتِلاوَةِ المزامير، فَزارَ يَومًا واحِدٌ مِنْهُمْ بَيْتَ يُوحَنَّا وَهُوَ في طِريقِهِ إِلَى فَلَسْطِين، فَأَحَبَّهُ يُوحَنَّا، وَرَغِبَ في أَنْ يَعِيشَ عِيشَتَهُ. وبِمَا أَنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أَنَّ والِدَيهِ لَنْ يَسْمَحَا لَهُ بِالتَرَهُّب، اتَّفَقَ مَعَ ذَلِكَ الراهِبِ عَلَى أَنْ يُرافِقَهُ سِرًّا إِلَى دَيْرِه، بَعْدَ عَودَتِهِ مِنْ رِحْلَتِه. ولَدَى عَودَتِهِ قَصَدَ يُوحَنَّا الدَير، فاستَقبَلَهُ الرئيسُ بِالتَرحاب، لَكِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ ابنُ مَنْ هُوَ، تَرَدَّدَ في قَبُولِه، إلَّا أنَّ يُوحَنَّا طَلَبَ إِلَـيهِ بِــالــدُمُــوعِ لِــيَقْبَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَجْرِبَة. ومَا لَبِثَ يُوحَنَّا أَنْ فاقَ سَائِرَ الرُهبانِ في مُمَارَسَةِ أَسْمَى الفَضَائِل، فَكانَ مِثالًا في الطاعَةِ والتَواضُعِ وقَهْرِ النَفْس. وبِسَبَبِ نُحُولِ جِسْمِه، نَصَحَهُ رَئِيسُهُ بِالعَودَةِ إِلَى بَيْتِ أَهْــلِـه. نُــزُولًا عِــنْــدَ رَغْــبَــةِ رَئِــيسِـه، وبَــعْــدَ حِـيـن، الــتَـقَـى بِمُتَسَوِّلٍ في الطَريق، فاستَبْدَلَ ثِيابَهُ الرُهْبانِيَّةَ بِثِيابِ ذَلِكَ الفَقير، وسارَ يَبْحَثُ عَنْ قَصْرِ أَبِيه، ولَمَّا بَلَغَهُ، وقَدْ أَضْناهُ التَعَبُ وأَذْبَلَهُ الصَوْمُ القَسْرِيّ، وطَمَسَتْ مَلامِحَهُ السَنَواتُ السِتُّ التي قَضَاهَا في الدير، لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَد، فَرَضِيَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى بابِ قَصْرِ والِدَيهِ مُتَسَوِّلًا. ومَرَّ أَبَواهُ مِنْ أَمَامِهِ أَيَّامًا كَثيرَة، دُخُولًا وخُرُوجًا، دُونَ أَنْ يَعرِفاه، فَتَماسَكَ عَنْ أَنْ يُخبِرَهُما عَنْ نَـــفْسِـه، ولَـكِـنَّ أَبــاهُ كـانَ يُـشْفِـقُ عَـلَـيـه، كَـأَيِّ فَـقِـيـر، ويَـأْمُـرُ بِـأَنْ يُـعْـطَى طَـعَـامًـا لِـيَـأْكُـل، وبَعْـدَ أَنِ اعتادَ أَبُوهُ رُؤْيَتَهُ، سَأَلَهُ يُوحَنَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِبِناءِ كُوخٍ في زاوِيَةِ حَدِيقَةِ القَصْر، يَخْلُدُ فِيهِ إِلَى النُسْكِ والصَلاة، فاستجابَ لِطَلَبِه، فأَقَامَ في كُوخِهِ مُدَّةَ ثَلاثِ سَنَوات، وهَكَذَا بَقِيَ صابِرًا عَلَى حالَتِه، عاكِفًا عَلَى الصَلَوات، راضِيًا بِأَحكامِ اللهِ وإِلهاماتِه، ماكِثًا خارجَ بَيتِهِ الوالِدِيّ، إِلَى أَنْ أَحَسَّ بِدُنُوِّ أَجَلِه، لِيَنْتَقِلَ إِلَى البَيْتِ السَماوِيّ. ولَمَّا أرادَ أَنْ تَحْضُرَ أُمُّهُ لِيَراها، رَفَضَتْ طَلَبَهُ مُتَنَكِّرَةً لَهُ، مُعْتَبِرَةً إِيَّاهُ شَحَّاذًا مُتَسَوِّلًا. عِنْدَهَا أَبْرَزَ يُوحَنَّا الإِنْجِيلَ الذي قَدِ اشتَراهُ والِداهُ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يُغادِرَ البَيتَ إِلَى الدَير، فَلمَّا تَحَقَّقَتْ والِدَتُهُ مِنْ أَنَّهُ الإِنْجِيلُ الذي يَعُودُ لِوَلَدِهَا، نادَتْ زَوجَهَا، وأَلَحَّا عَلَيهِ بِالسُؤالِ عَنْ هَوِيَّتِه، فَاعتَرَفَ بِالحقِيقَةِ المؤلِمَة، فانطَرَحَا عَلَيهِ يُقَبِّلانِهِ، فَطَلَبَ إِلَيهِمَا أَنْ يَصفَحَا عَنْهُ، وعَنْ كُلِّ ما قَدْ سَبَّبَ لَهُمَا مِنْ أَلَم، ورَجَا مِنْهُمَا أَنْ يَدفِناهُ كَصِغارِ الرُهبانِ مِنْ غَيرِ احتِفال، لَكِنَّ والِدَتَهُ لَمْ تَرْضَ، بَلْ أَلْبَسَتْهُ الثِيابَ الفاخِرَة، وجَلَّلَتْهُ بِالرَياحِين، وبَكَتْهُ كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ الرُوحَ سَنَةَ 450، وَهُوَ ما زالَ في رَيَعَانِ العُمْر. صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين |