| Biography |
تَذكارُ داوُدَ المَلِكِ والنَبِيّ وُلِدَ سَنَةَ 1040 ق.م.، في بَيْتَ لَحْمَ اليَهُودِيَّة، وَهُوَ الابْنُ الثَامِنُ الأَصْغَرُ لِيَسَّى، أَصْهَبُ جَمِيلُ العَيْنَينِ وَسِيمُ المَنْظَر، يَرْعَى غَنَمَ أَبِيهِ؛ قَتَلَ أَسَدًا وذِئْبًا دِفَاعًا عَنِ القَطِيع، وداوُدُ لَفْظَةٌ عِبْرِيَّةٌ تَعْني "مَحْبُوب". بَعْدَ أَنْ مَسَحَ النَبِيُّ صَمُوئِيلُ شاوُلَ أَوَّلَ مَلِكٍ عَلَى إِسْرائِيل (1030-1010)، عادَ بِأَمْرٍ مِنَ الرَبِّ فَمَسَحَ داوُدَ بَدَلًا عَنْهُ، لأَنَّ شاوُلَ خَالَفَ أَمْرَ الرَبّ، ولَكِنَّهُ عادَ فَاعْتَرَفَ بِخَطِيئَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إِبْعَادُهُ نافِذَ المَفْعُول. لِذَلِكَ دُعِيَ داوُدُ لِيَكُونَ عازِفًا في بَلاطِ شاوُل، فَأَصْبَحَ حامِلَ سِلاحِهِ، ثُمَّ رافَقَهُ في حَرْبِهِ ضِــدَّ الــفَــلِــسْطِيِّين. إِشْتَهَرَ فـي مُبَارَزَةِ جُلْيَاتَ الـجَـبَّارِ الفَلِسْطِيّ. فَنَظَرَ شاوُلُ إِلَى داوُدَ بِعَيْنِ الشَرّ، وحاوَلَ مِرارًا أَنْ يَقْتُلَهُ بِالرُمْح. لَكِنَّ داوُدَ كانَ يَتَصَرَّفُ بِحِكْمَةٍ في كُلِّ ما يَقُومُ بِهِ. فَأَحَبَّهُ الشَعْب، وأَحَبَّهُ يُونَاتَانُ بْنُ شَاوُلَ حُبًّا شَديدًا. يَذْكُرُ سِفْرُ المُلُوكِ الأَوَّلِ أَنَّ داوُدَ رَفَضَ مَرَّتَينِ قَتْلَ شاوُل، وكانَ ذَلِكَ سَهْلًا جِدًّا، لأَنَّهُ (شاوُل) "مَسِيحُ الرَبّ"! لَكِنَّهُ اضْطُرَّ، لِلإِفْلاتِ مِنْ يَدِ شاوُل، أَنْ يَضُمَّ إِلَيهِ فَرِيقًا مِنَ الشَبَاب، ويَنْضَمَّ إِلَى الفَلِسْطِيِّين. ولَكِنْ بَعْدَ قَتْلِ شاوُلَ ويُونَاتَانَ ابْنِهِ في حَرْبِهِ مَعَ الفَلِسْطِيِّين، مَسَحَ رِجَالُ يَهُوذَا، في الجَنُوب، داوُدَ مَلِكًا عَلَى بَيْتِ يَهُوذَا. وكَذَلِكَ فَعَلَ بَنُو إِسْرائِيلَ في الشَمَال. فَأَصْبَحَ داوُدُ مَلِكًا عَلَى كُلِّ إِسْرائِيلَ وكُلِّ يَهُوذَا، في مَمْلَكَةٍ مُزْدَوِجَةٍ ومُوَحَّدَةٍ تَتَنَازَعُهَا الصِراعاتُ الداخِلِيَّة. بَعْدَهَا اسْتَوْلَى داوُدُ ورِجَالُهُ عَلَى أُورَشَلِيمَ سَنَةَ 1010، وجَعَلَهَا عَاصِمَةَ إِسْرائِيلَ السِيَاسِيَّةَ والدِينِيَّة، ونَقَلَ إِلَيهَا تَابُوتَ العَهْدِ بِاحْتِفَالٍ مَهِيب، ومَلَكَ أَرْبَعِينَ سَنَة، وكانَ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً يَوْمَ مَلَكَ (1010-970 ق.م.). ولَمَّا سَكَنَ المَلِكُ داوُدُ في بَيْتِهِ، في أُورَشَلِيم، وأَراحَهُ الرَبُّ مِنْ جَمِيعِ أَعْدائِهِ، صَمَّمَ أَنْ يِبْنِيَ هَيْكَلًا لِلرَبّ، لِيَحْفَظَ فِيهِ تَابُوتَ العَهْد، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ الرَبُّ النَبِيَّ نَاتَانَ يَقُولُ لَهُ: "أَأَنْتَ تَبْنِي لِلَّهِ بَيْتًا لِسُكْنَاه؟ لا! بَلِ اللهُ سَيُقِيمُ لَكَ بَيْتًا! يُقِيمُ مِنْ نَسْلِكَ مَنْ يَخْلُفُكَ، وَهُوَ يَبْني بَيْتًا لاسْمِهِ" (2 صم 7: 1-17). مَلَكَ داوُدُ عَلَى كُلِّ إِسْرائِيل، وكانَ داوُدُ يُجْرِي حُكْمًا وعَدْلًا لِكُلِّ شَعْبِهِ: نَظَّمَ خِدْمَةَ الكَهَنَةِ واللاوِيِّين، وَضَعَ تَعْلِيماتٍ لِلْمُغَنِّينَ والعَازِفِين، وأَحْصَى الشَعْب، وخَلَقَ إِطارًا لِلْمُوَظَّفِين، ونَظَّمَ جَيْشًا دائِمًا. أُجْبِرَ عَلَى قَمْعِ ثَوْراتِ الشَمَال، وحارَبَ الفَلِسْطِيِّينِ والبُلْدانَ المُجَاوِرَة، وكانَتْ لَهُ عَلاقَةُ صَداقَةٍ مَعَ مَلِكِ صُور. لَكِنَّ الكِتَابَ شَجَبَ مَوْقِفَهُ مِنْ أُورِيَّا وامْرَأَتِهِ بَتْشَابَع، وَزِنَى أَمْنُونَ ابْنِهِ وفَحْشَه، وثَوْرَةَ ابْنِهِ أَبْشَالُومَ ومَوْتَهُ، والمُؤَامَراتِ حَوْلَ الخِلافَةِ عَلَى العَرْش. أَسَّسَ داوُدُ مَمْلَكَةً لَمْ تُعَمِّرْ طَوِيلًا، ولَكِنَّهَا ظَلَّتِ النَمُوذَجَ والمِثَال. ولِهَذا ارْتَبَطَ داوُدُ المَلِكُ بِالمَلِكِ المَسِيحَانيِّ المَوْعُودِ الآتي لِيُخَلِّصَ شَعْبَهُ. ويَعْتَبِرُ التَقْليدُ الكِتابيُّ داوُدَ شَاعِرًا كَبِيرًا، وإِلَيهِ يُنْسَبُ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ المَزامِيرِ المِئَةِ والخَمْسِين. وفي العَهْدِ الجَدِيد، يَسْتَهِلُّ مَتَّى إِنْجِيلَهُ، بِشَجَرَةِ عَائِلَةِ يَسُوعَ البَشَرِيَّة، لأَنَّهُ وَجَّهَ إِنْجِيلَهُ إِلَى الشَعْبِ اليَهُودِيّ، فَاهْتَمَّ بِأَنْ يَجْعَلَ مِنْ داوُدَ المَلِكِ الحَلَقَةَ الأَهَمَّ في هَذِهِ السُلالَةِ المَلَكِيَّة، التي عَلَى أَسَاسِهَا ومِنْهَا أَتَى المَسِيح، كَمَا وَعَدَ اللهُ بِالنَبِيِّ نَاتَان. والعَدَدُ 14 الذِي تَكَرَّرَ في النَصِّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى القِيمَةِ العَدَدِيَّةِ لاسْمِ داوُدَ فـي الـعِبْرِيَّة، (د+و+د= 4+6+4). سَعَى مَتَّـى الإِنْجِيلِيُّ مِــنْ خِــلالِ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ شَخْصِيَّةِ يَسُوع، فَهُوَ ابْنُ المَلِكِ داوُد، وارِثٌ عَرْشَهُ، والمَلِكُ الأَبَدِيّ. لِذَلِكَ فَالعَنَاوِينُ الكُبْرَى في إِنْجِيلِ مَتَّى تَتَكَلَّمُ كُلُّهَا عَنْ مَلَكُوتِ السَمَاوات، لأَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ المَوْعُودُ ابْنًا لِداوُدَ وَرَبًّا لَهُ، كَمَا جَاءَ في المَزْمُور: "قَالَ الرَبُّ لِرَبِّي إِجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَجْعَلَ أَعْداءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيك" (110: 1). ولَقَدْ عَلَّقَ يَسُوعُ نَفْسُهُ عَلَى هَذا المَزْمُور، في حَدِيثِهِ مَعَ الفَرِّيسِيِّينَ بِقَوْلِهِ: "ما رَأْيُكُم في المَسِيح: إِبْنُ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا لَهُ: إِبْنُ داوُد. قَالَ لَهُم: إِذًا، كَيْفَ يَدْعُوهُ داوُدُ بِالرُوحِ رَبًّا، إِذْ يَقُول: قَالَ الرَبُّ لِرَبِّي: إِجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَجْعَلَ أَعْداءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيك؟ فَإِنْ كَانَ داوُدُ يَدْعُو المَسِيحَ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ المَسِيحُ لَهُ ابْنًا؟ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَة. ومِنْ ذَلِكَ اليَومِ ما عَادَ أَحَدٌ يَجْرُؤُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْء" (مت 22: 42-46). ومَزامِيرُ داوُدَ يَجِدُ فِيهَا المُصَلِّي عُمْقَ الصَلاةِ المُؤْمِنَة، ورُوحَ الحِكْمَةِ والشَجَاعَةِ عَلَى المُسْتَوَى الشَخْصِيِّ والجَمَاعِيّ، ويَسُوعُ نَفْسُهُ كانَ يُصَلِّيهَا مُنْذُ صِغَرِهِ، ثُمَّ مَعَ رُسُلِهِ في حَيَاتِهِ العَلَنِيَّة، في المَجَامِعِ كُلَّ سَبْت، وحَتَّى اللَحْظَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ عِنْدَمَا كانَ مُعَلَّقًا عَلَى الصَلِيب (مت 27: 46). ولَمَّا شَاخَ داوُدُ دَعَا ابْنَهُ سُلَيْمَانَ ونَادَى بِهِ مَلِكًا بَعْدَهُ، وأَوْصَاهُ بِحِفْظِ رُسُومِ الرَبِّ وأَحْكَامِهِ، وأَنْ يَبْنِيَ هَيْكَلَ الرَبِّ الذِي كانَ داوُدُ قَدْ أَعَدَّ بَعْضَ ما يَلْزَمُ لِبِنَائِهِ. واضَّجَعَ داوُدُ مَعَ آبائِهِ، ودُفِنَ في مَدِينَةِ داوُدَ نَحْوَ سَنَةِ 970. صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين. |